أحمد بن علي القلقشندي

25

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

كلَّه ، ويمدّ عليهم ظلَّه ؛ ولا يسومهم خسفا ( 1 ) ، ولا يلحق بهم حيفا ؛ ولا يكلَّفهم شططا ، ولا يجشّمهم مضلعا ؛ ولا يثلم لهم معيشة ، ولا يداخلهم في جريمة ( 2 ) ؛ ولا يأخذ بريئا منهم بسقيم ، ولا حاضرا بعديم ؛ فإنّ اللَّه جل وعز نهى أن تزر وازرة وزر أخرى ، وجعل كلّ نفس رهينة بمكسبها بريئة من مكاسب غيرها . ويرفع عن هذه الرعيّة ما عسى أن يكون سنّ عليها من سنّة ظالمة ، وسلك بها من محجّة جائرة ، ويستقري آثار الولاة قبله عليها ، فيما ازجوه من خير أو شرّ إليها : فيقرّ من ذلك ما طاب وحسن ، ويزيل ما خبث وقبح : فإنّ من يغرس الخير يحظى بمعسول ثمره ، ومن يزرع الشّرّ يصلى بممرور ريعه ؛ واللَّه تعالى يقول : * ( والْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُه بِإِذْنِ رَبِّه والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ) * ( 3 ) . وأمره أن يصون أموال الخراج وأثمان الغلَّات ، ووجوه الجبايات ، موفّرا ويزيد ذلك مثمّرا ، بما يستعمله من الإنصاف لأهلها ، وإجرائهم على صحيح الرّسوم فيها : فإنه مال اللَّه الذي به قوّة عباده ، وحماية بلاده ، ودرور حلبه ، واتصال مدده ؛ وبه يحاط الحريم ، ويدفع العظيم ؛ ويحمى الذّمار ، وتذاد الأشرار . وأن يجعل افتتاحه إيّاه بحسب [ إدراك ] ( 4 ) أصنافه ، وعند حضور مواقيته وأحيانه ؛ غير مستسلف شيئا قبلها ، ولا مؤخّر لها عنها ؛ وأن يخصّ أهل الطاعة والسلامة بالتّرفيه لهم ، وأهل الاستصعاب والامتناع بالتشدّد ( 5 ) عليهم : لئلا يقع إرهاق لمذعن ، أو إهمال لطامع . وعلى المتولَّي لذلك أن يضع كلَّا من الأمرين موضعه ، ويوقعه موقعه ؛ متجنّبا إحلال الغلظة بمن لا يستحقّها ، وإعطاء الفسحة لمن ليس من

--> ( 1 ) في مآثر الإنافة : « عسفا » . ( 2 ) في حاشية الطبعة الأميرية : « كذا في المثل السائر . وفي الرسائل : في حرفه » . ( 3 ) الأعراف / 58 . ( 4 ) الزيادة من الطبعة الأميرية عن الرسائل والمثل . ( 5 ) في مآثر الإنافة : « بالشدّ » .